مذكرات الحزب
موقف حزب الحرية والعدالة الاجتماعية من الاسلام و الديمقراطية في تدبير الشأن العام
بسم الله الرحمان الرحيم
انطلاقا من الأسس الدستورية للمملكة الموثقة سنة 2011 والمعتمدة في أحكامه العامة بالفصول الأول و الثاني والثالث و المؤكدة لتوا بث المملكة المتجلية في طبيعة نظام الحكم المبني على قواعد الاسلام و الديمقراطية الحديثة و نصوص القوانين المنبثقة عنها.
حيث ينص الدستور على ما يلي:
الفصل الأول: نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية و اجتماعية.
الفصل الثاني: السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالإستفتاء و بصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها.
الفصل الثالث: الاسلام دين الدولة و الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.
ومن خلال هذه الفصول حاول حزب الحرية والعدالة الاجتماعية أن يسهم في النقاش العمومي الدائر حول الاسلام و مدى قدرة الديمقراطية كمنتوج غربي لمحاورة المفاهيم الاسلامية كمبدأ الشورى مثلا وإلى أي حد يمكن ملائمة الديمقراطية مع التربية الإسلامية ، وبعد تسليطنا الضوء لتفكيك محاور هذه الاشكالية سنحاول مقاربة النموذج المغربي لنلامس جوانبه العميقة في مدى قدرة المغرب على المزج بين مكونات وشروط الديمقراطية و مناهج الاسلام في تدبير الشأن العام و إلى أي مدى استطاع المغرب من خلال هذا المزج أن يعايش بين هذه المرجعيات المختلفة؟؟
وانطلاقا من زاوية رؤيتنا الحزبية فالديمقراطية كسلوك يجب أن يتم التعامل معها تعاملا واقعيا ومن ثمة وجب تبيئته مع خصوصياتنا الوطنية وموروثنا العربي الاسلامي وكذا ملاءمتها مع القيم الكونية النبيلة ذات البعد الانساني المشترك و ذلك دون افراغ الديمقراطية من جوهرها الحقيقي او اتخاذها شعارا ديماغوجيا او خطابا استهلاكيا.وذلك حتى تبقى الديمقراطية اختيارا وضرورة ملحة نسعى جميعا لتطبيقها في كل مناحي الحياة بشكل موازي مع مفاهيم الحرية و الكرامة والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان بما في ذلك حرية التفكير،حرية التعبير،حرية الصحافة حرية التنقل، و التعددية واحترام الاقلية، هاته المبادئ التي تتقاطع في عمق مضامينها مع قيم التعايش و التسامح بين كل فئات الشعب و اعتبار مبادئها مكونات هامة لبناء الدولة الحديثة.
انطلاقا من هذا التوجه فإن حزب الحرية والعدالة الاجتماعية يدعو للتحلي بكل فضائل الانفتاح الفكري و التشبع بالأخلاق الانسانية الفاضلة مادام الاسلام هو حضارة الأخلاق، فبدون ثقافة وبدون اخلاق لا يمكن للشعوب ان تتقدم او تحقق اي شيء في مجال التنمية مصداقا لقول الشاعر : و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ومن الأمور التي تجعل الديمقراطية كمنتوج غربي قادر على التبيئة داخل الواقع الاسلامي الذي يعتبر المغرب جزء لا يتجزأ منه هو أن الاسلام ومند حداثة عهده قد اعتمد على مبدأ الشورى في نظامه ، حيث ان الاسلام يقرر مبدأ الشورى و التشاور في تدبير أمور الأمة، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتشاور مع أصحابه في كثير من الشؤون مما لم ينزل فيه وحي كما كان مجلس الصحابة مجلس خير و مشورة ونصح.
وعلى الرغم من اختلاف مرجعيات الشورى و الديمقراطية، فإن محاورتهما شيء ممكن و بالعودة إلى المجتمع المغربي فإننا نلاحظ بأن الديمقراطية في عمقها الدلالي تعني دولة المؤسسات و الاختلاف و المعارضة و المجتمع المدني والحكامة وغيرها من المفاهيم ذات البعد الحداثي ، وهي لا تتعارض مع الاسلام في تدبير الشأن العام و تسيير شأن الدولة لأن الاسلام المنفتح لا يتعارض مع هذه الامور شريطة تطبيق تعاليم الدين الحنيف و السنة النبوية الشريفة وذلك من حيث المعاملة و إخراج الزكاة للفقراء والمحتاجين وربط المسؤولية بالمحاسبة وتنمية القدرات بالنسبة لجميع المجالات و ذلك لضمان الكرامة و العيش الكريم لجميع فئات المجتمع للحيلولة دون ابقاء مبادئ حقوق الانسان حبرا على ورق لأن الاسلام يحث على الكرامة حيث قال الله عز وجل » وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا » سورة الاسراء الاية 70
كما يحث على العمل « وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون« سورة التوبة الاية 105
ومن شيم الاسلام أيضا التضامن هذا المبدأ الانساني النبيل الذي لا يتعارض مع الحداثة و لا مع الديمقراطية « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » حديث شريف .
وإذا كان صحيحا أن محاولات إرساء الديمقراطية قد تعثرت في كثير من الأقطار العربية الاسلامية فإن هذه الظاهرة ليست مقصورة على هذه البلدان فأقطار أمريكا اللاتينية مثلا وهي أقطار يكاد يغيب الاسلام فيها قد فشلت هي الأخرى في إقرار الديمقراطية التي عرفت فيها انتكاسات متتالية كما أن العديد من الأقطار الإفريقية والآسيوية لم تعرف الديمقراطية بعد، إذن فادعاء أن الإسلام أو الطبيعة العربية هما المسؤولان عن عدم قيام نظام ديمقراطي حقيقي هو ادعاء واه و لا يستند على أي أساس معرفي،فالنظام الديمقراطي يجب أن ترنكز قواعده على سطح مجتمع تتلاءم فيه الثقافة و الدين مع مكونات المنتوج الديمقراطي المستلهم من الغرب.
و المغرب عبر تاريخه الأغر يعتبر بلدا مسلما حيث اعتنق الاسلام ومارسه على الدوام بصورة متسامحة و محترمة للغير،فالإسلام يتسم بالسخاء و الحلم و التفتح و التسامح و حب السلام حيث يمثل مكتسبا روحيا رفيعا ومكونا للهوية العميقة للشعب المغربي، ونحن كحزب سياسي نرفض الاستحواذ عليه من لدن أي طرف ينحو لاستغلاله لأغراض حزبية أو سياساوية وأن الخلط بين الدين والسياسة يهبط بالقيم الروحية إلى سوق التنافس السياسوي ويعرقل ميتافيزقيا اشكاليات التقدم الاجتماعي والتطور الدنيوي كما ينزلق إلى المنازعات التفسيرية و التأويلية الضيقة،عوض المناقشة الديمقراطية الموضوعية المحترمة للاختلاف و الحال أن الهوية الواثقة في نفسها هي الوحيدة القادرة على الانفتاح بكل اطمئنان و الاقدام على التعامل مع الآخر أخذا وعطاء دون الخوف المميت في أن تفقد روحها في هذا الانفتاح والتفاعل ومن هنا وجب انعاش وتطوير الحوار الجماعي الديمقراطي بالإسهام في إثرائه بأساليب جديدة للإصغاء و المشورة الفاعلة وهي أساليب تتوخى الاعتماد على البرهنة العقلية المنطقية وعلى المعرفة العالمية و التجربة و الخبرة والانفتاح على كل الآفاق الحضارية الكفيلة بإتراءنا دون افقادنا هويتنا.
فالأمن الديني والروحي مكونا أساسيا للهوية الحضارية المغربية و تعتبر إمارة المؤمنين ضامنا أساسيا للأمن الروحي للشعب المغربي حيث تستمد قوة حضورها من تجديد البيعة عن طريق مبايعة المغاربة قاطبة كل سنة لعاهل البلاد، لا سيما وأن إمارة المؤمنين تستلهم مرجعيتها الدينية من الدين الاسلامي الحنيف و المذهب المالكي كما تعتبر إمارة المؤمنين حصنا حصينا ضد مخاطر و منزلقات الغلو و التطرف و استغلال الدين كمطية لتحقيق أهداف ومآرب سياسوية وفي هذا الاطار نثمن الدور الذي يقوم به أمير المؤمنين في إصلاح الشأن الديني والحفاظ على الطابع الوسطي للإسلام الذي حافظ على التعدد الثقافي في بوثقة الهوية الحضارية المغربية حيث جعل المغرب مركز إشعاع للسلم و السلام و التواصل و الحوار بين سائر الحضارات الانسانية فإمارة المؤمنين استطاعت عبر التاريخ أن تحافظ على وحدة المغرب وقوته انطلاقا من تعدد وغنى ثقافاته وتقاليده العريقة و هذا ما أدى بالمغرب أن يخطو خطوات مهمة نحو إقرار التعدد الثقافي و اللغوي الشيء الذي يفرد للمغرب خصوصية متميزة عن مختلف الدول.
وحينما نعود إلى المشهد الديني بالمغرب فنجد بأن هناك روافد دينية مختلفة تمليها مجموعة من المؤسسات الدينية والعلمية من قبيل جامعة القرويين ومؤسسة دار الحديث الحسنية و الرابطة المحمدية للعلماء و المجلس العلمي الأعلى الذي تمت دسترته سنة 2011، و المجلس الأوربي للعلماء المغاربة هذا بالإضافة إلى شعب الدراسات الاسلامية و كليات الشريعة الاسلامية وبعض أقسام وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية التابعة لمديرية الشؤون الإسلامية، مما يستوجب من هذه المؤسسات تحسين لأدائها وتقوية حضورها في المشهد الديني وذلك للحيلولة دون إعطاء الفرصة للتيارات المتطرفة و الاتجاهات السلفية للتأثير على المشهد الديني المغربي المتأصل بالفكر الوسطي و إمارة المؤمنين هذه المؤسسة التي اتخذ اشعاعها بعدا عالميا ليس داخل المغرب فحسب وذلك لما تكتسيه مؤسسة إمارة المؤمنين من مكانة رفيعة بالنسبة للصيرورة التاريخية للمغرب.
وكحزب سياسي نؤكد باستمرار على ان تكون تربية ناشئتنا تربية إسلامية تمكنها من الصمود في وجه الأفكار المستوردة الهدامة المتمثلة في الغزو الفكري الايديلوجي و الثقافي بكيفية عامة كما أننا نشجب و بقوة كل التصرفات المنافية للعقيدة الاسلامية كالإرهاب و العنف بشتى أنواعه فالإسلام براء منها لان الحضارة الاسلامية حضارة الاخلاق .وهنا نعود لنقول بأن القيم الديمقراطية لا تتعارض مع قيم الاسلام بل تتلاقى معها في مبدأ الشورى و السلوك الانساني المتمثل في التضامن و الحرية والعدالة لاجتماعية و المساواة وغيرها و إحياء هذه القيم النبيلة ستعود بنا إلى السكة الصحيحة و تكون بالتالي درعا واقيا ضد كل التيارات الزائفة التي تهدد وحدتنا و أمتنا و استقرارنا الذي نتميز من خلا له وعبر قرون عن غيرنا من البلدان فالمغرب كان و لازال حجرة عثرة ضد كل الأطماع الأجنبية وما استحالة الإمبراطورية العثمانية قديما ضم المغرب لإمبراطوريته المترامية الاطراف إلا دليل على قاطع التميز المغربي.
وانطلاقا من هذا التحليل المختصر والملخص فإن حزب الحرية والعدالة الاجتماعية اختار ميثاقه المذهبي بعيدا كل البعد عن المذاهب الغربية كأحزاب اليمين و اليسار و الوسط المتداولة، فهو حزب وطني منبثق من المجتمع المغربي ومعتز بالانتماء لهذا الوطن المتميز بالاعتدال و التسامح والتعايش.
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ
» صدق الله العظيم