مذكرات الحزب
وجهة نظر حزب الحرية والعدالة الإجتماعية حول الخدمات الأساسية لمنظومة الصحة بناء على تقرير المجلس الإقتصادي و الإجتماعي والبيئي المؤرخ بتاريخ 9 نونبر 2013
لقد أصبحت الأخبار التي تأتينا من الحقل الحكومي تكاد تكون هزيلة بالمقارنة مع الأخبار والمعطيات التي تقدمها لنا المؤسسات الدستورية، ذلك ما أبان عنه المجلس الإقتصادي و الإجتماعي والبيئي حين رسم صورة قاتمة عن الوضع الصحي ببلادنا وصل درجة غير مسبوقة من التردي على مستوى جل الخدمات الصحية فمستشفيات الدولة تعاني من غياب الأدوية الأساسية و تعطل أجهزتها ناهيك عن الخصاص المهول في البنايات التحتية أمام تكاثر طلبات الإستشفاء.
انطلاقا من الدور المنوط بالأحزاب السياسية , في تهييئ ووضع واقتراح , برامج سياسية واجتماعية واقتصادية متكاملة ,تساهم في التنمية والرفاه الإجتماعي ,وضامنة لصون كرامة الإنسان وفق عدالة اجتماعية شاملة وغير مجزئة , يقدم حزب الحرية والعدالة الإجتماعية , مذكرة مواقف واقتراحات , من أجل تطوير وتأهيل منظومة الصحة ,ضمن مسار أهدافه , وشعاره المرتبط بضرورة مواصلة الإصلاح , مع ما يواكب ذلك من تجديد متواصل للأفكار ,حسب الظروف والحاجات ووفق الأولويات.
فالمغرب لا يتوفر سوى على خمس مستشفيات جامعية تعاني بدورها من نقص في الوسائل اللوجيستيكية فضلا عن مستشفيات إقليمية ومراكز صحية حضرية وقروية في أسوأ الأحوال.
أما إذا اطلعنا على بعض الإحصائيات فبلادنا لا تتوفر سوى على سرير واحد لكل 1000 نسمة و 4.7 في المائة كنسبة للإستفتاء مقابل 14 في المائة في تونس.
غير أن أهم مشاكل قطاع الصحة ببلادنا هو النقص المهول في الأطر الصحية في بلد يتجاوز عدد سكانه 30مليون نسمة، لا يتجاوز عدد الساهرين على الصحة العمومية 47 ألف موظف بحيث لا يتجاوز عدد الأطباء 46 طبيبا لكل 100 ألف نسمة مقابل 70 في تونس و 300 في فرنسا وعدد الممرضين 10 لكل
10 آلاف نسمة وهو ما جعل منظمة الصحة العالمية تصف المغرب من بين 57 دولة تعاني نقصا حادا في الموارد البشرية .
أمام هذا الواقع الأسود يتساءل الكثير من المواطنين المغاربة عن الأسباب الكامنة وراء تدهور منظومتنا الصحية وسنتطرق لبعض الأسباب البنيوية التي نرى أنها يجب أن تحظى بالأولوية في المعالجة.
أولا على المستوى السياسي:
من أجل الحفاظ على الصحة العمومية يجب على الحكومة المغربية تغيير السياسات المعتمدة وعدم النظر إلى القطاع الصحي باعتباره قطاعا غير منتج أو يشكل عبئا على ميزانية الدولة فالأمر يستدعي من صناع القرار في المغرب رصد ميزانية مهمة للقطاع الصحي، فالتمويل العمومي لوزارة الصحة لا يتجاوز 5 في المائة من ميزانية الدولة أي 1.43 من الناتج الداخلي الخام أما النفقات الصحية لكل مواطن فهي 230 دولار للفرد في المغرب مقابل 500 دولار في تونس و 400 دولار في الجزائر.
كما أن تقليص الحكومة الحالية من نفقات الإستثمار و التسيير و هزالة عدد المناصب المالية المخصصة لتوظيف الأطباء و الممرضين زاد من تردي الوضع الصحي ببلادنا.
ثانيا على مستوى الحكامة التدبيرية:
- لازالت الحكومة تنهج سياسة مركزة اتخاذ القرار و التدبير في وزارة الصحة بالرباط في الوقت الذي كان من المنتظر فيه أن تفوض الوزارة مجموعة من الصلاحيات للمديريات الجهوية المحدثة أخيرا لكن للأسف بدل أن تتحول هذه المديريات إلى وزارات صغيرة في الجهة و تنهض بنجاعة الخدمة الصحية العمومية بالجهة أضحت تكتفي بأمور بسيطة من قبيل جمع تقارير المندوبيات و الإشراف على الإمتحانات وفي أهم الأحوال تعتبر سلما إداريا يزيد الجهاز البيروقراطي في قطاع الصحة تعقدا
- خلافا لما كان منتظرا و مأمولا من نظام راميد أو المساعدة الطبية لدوي الدخل المحدود من استفادتهم مجانا من العلاج و الأدوية فقد تحول إلى عرقلة و تلاعب في تحديد الفئة المستهدفة و تبنى معايير غير موضوعية لتحديد الفقر من عدمه.
- يستحود القطاع الخاص رغم ضعف بنياته على 86 في المائة من نفقات الصندوق الوطني لمنظمات الإحتياط الإجتماعي مقابل 5 في المائة فقط لجميع مستشفيات الحكومة البالغة 141 ومراكزها الجامعية الكبرى و مستشفيات الجيش الملكي.
كما أن المؤمنين لدى صناديق التأمين الإجباري عن المرض يحصلون على خدمة صحية غير مكتملة
و يدفعون ثمنا غاليا من رواتبهم و معاشاتهم بزيادة تفوق 20 في المائة من تكلفة العلاج.
4)أما قانون تحديد أسعار الأدوية فيعود إلى سنة 1969 وهو قانون لم يعد مقبولا أخلاقيا و اجتماعيا إذ أن أسعار الأدوية بالمغرب مرتفعة ب 47 مرة عما هو معمول به في العديد من الدول حسب آخر تقرير للبنك الدولي لسنة 2013 الذي أكد على تردي الخدمات الصحية بالمغرب و غياب العدالة الصحية ووقف هذا التقرير على الإرتفاع المهول لأسعار الأدوية أمام صمت الحكومة و مشاركتها في استنزاف جيوب المغاربة و خاصة المستضعفين منهم.
أما إقدام وزارة الصحة على خفض أسعار بعض الأدوية فلا يعتبر إنجازا يحسب لهذه الحكومة أمام هذه الحقائق بقدر ما يعتبر تدبيرا إلزاميا على الحكومة اقتضته ظروف الحال التي تستدعي و على وجه السرعة إرجاع أسعار الأدوية ببلادنا على مستواها المعمول به في معظم الدول.
ثالثا على مستوى تدبير الموارد البشرية:
يمكن القول ان أهم حلقة في مسلسل إصلاح الصحة ببلادنا هي حلقة العنصر البشري فالذي ينزل السياسة الصحية التي تنهجها الوزارة على أرض الواقع هو الموظف و لذلك وجب الاهتمام بالعنصر البشري و إيلائه الأهمية و التفكير في حاجياته المادية و مواكبته بالتكوين اللازم و المتطور.
و من يتأمل معظم القوانين المعمول بها في القطاع الصحي سيلاحظ أن هذه القوانين لا تواكب التطور الذي من المفروض أن تعرفه المنظومة الصحية إذ لا تزال الكثير من الفئات العاملة في قطاع الصحة في نضال متواصل من أجل تغيير القوانين التي تؤطرها كما أن أجور الأطر الصحية تعتبر متدنية مقارنة بقطاعات أخرى كالمالية مثلا و تزيد الوضع تأزما إضافة للظروف المزرية التي يعيشها العاملون بالوسط القروي في ظل غياب مكافآت مجزية كما أن التأخر في إصدار قانون ينظم الحق في الإضراب جعل القطاع الصحي بشكل خاص عرضة للكثير من الإضرابات العشوائية و غير المنظمة لا لمصالح الموظف و لا لمصلحة المواطن ناهيك عن توزيع غير عادل للموارد البشرية بين الجهات و الأقاليم.
رابعا على مستوى التزامات المغرب الدولية في المجال الصحي:
رتبت المواثيق الدولية مجموعة من الإلتزامات على دول العالم ومن ضمن هذه الإلتزامات إقرار منظومة صحية تستجيب لمختلف المطالب الدولية والوطنية على اعتبار أن حق الإنسان في الصحة
حق مسلم به في العديد من الصكوك الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 15 و العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية والبيئية في المادة 12 . والمادتان معا لا تنظران إلى مفهوم الصحة على أنه مجرد انعدام المرض أو العجز أو الإقتصار على الرعاية الصحية بل بالعكس فالحق في الصحة بالمفهوم الدولي هو حق شامل يضم طائفة عريضة من العوامل الاجتماعية والإقتصادية التي تهيئ الظروف التي تسمح للناس بأن يعيشوا حياة صحية تشمل المقومات الأساسية للصحة مثل المأكل والملبس و المسكن و الرعاية الطبية و الخدمات الإجتماعية ومياه صالحة للشرب و العمل في ظروف آمنة صحيا والتمتع بمجموعة من المرافق و الخدمات لبلوغ أعلى مستوى ممكن من الصحة. كما يحضر العهد المشار إليه أعلاه بمقتضى المادتين 2 و3 أي تمييز في الوصول إلى الرعاية الصحية وضرورة توزيع هذا الحق توزيعا عادلا بشريا و مجاليا.
كما لا ينبغي بمقتضى هاتين المادتين أن تقدم الإستثمارات في مجال الصحة دعما غير متكافئ للخدمات الصحية العلاجية الباهظة الثمن والتي غالبا ما لا يستطيع الوصول إليها إلا شريحة مصغرة وترية من السكان بدلا من دعم الرعاية الصحية الأولية والوقائية التي تستفيد منها شريحة واسعة من السكان.
ومن التدابير التي التي نادى بها العهد كذلك تلك الرامية إلى إلغاء الممارسات المتوارثة الضارة التي تؤثر على صحة الفتيات كالزواج المبكر و حضر كل الممارسات التراجعية التي تمس بحق الفرد في الصحة العمومية بمفهومها الشامل و أكد على التوجه نحو الفئات الأكثر خصاصا و حفظ حق السجناء
و المهاجرين غير الشرعيين في الصحة كحق مرتبط بإنسانية الإنسان.
وإذا كان إعمال الحق في الصحة بمفهومها الدولي الشامل واضح بمقتضى المرجعية الكونية فأين نحن من واجب الإحترام والحماية والتوفير والأداء لهذا الحق بمقتضى الصكوك الدولية صادق عليها المغرب خصوصا أمام التقرير الصادم للمجلس الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي الذي كشف عن واقع أسود في منظومتنا الصحية.
ألا يعتبر القانون 94/10 الذي يتسم بموجبه تشجيع الإستثمار الخصوصي في قطاع الصحة و الزج بالصحة العمومية في حضن الرأس المال المتوحش و الشركات التجارية التي تنشد الربح السريع والمصلحة الآنية ضربا في الصميم للحق في الصحة؟
ألا يعتبر إيصال المصحات الخاصة للمغرب العميق تبرر تقريب الخدمة الصحية من مواطن المغرب العميق عبثا و استهتارا من طرف وزير الصحة ؟ونحن نعلم أن ساكنته عاجزة حتى عن توفير الغذاء الكافي لها ولأسرها فبالأحرى أن يكون بمقدورها استهلاك الخدمة الصحية الخصوصية المؤدى عنها.
لقد كان على هذه الحكومة المسنودة بضمانات دستورية قوية و اختصاصات واسعة أن تدشن وتبتها
الأولى بميثاق حسن التدبير والرفع من نجاعة خدمة المرفق العام( كالتعليم و الصحة و الإهتمام بالإنفاق العام الإجتماعي)
فالقطاع الخاص الذي استنجدت به هذه الحكومة لا يمكن أن يحل بشكل عام محل الدولة في تولي الشؤون الاجتماعية للمواطنين وبشكل خاص في مجال تقديم الخدمات الإجتماعية الأساسية كما هي متعارف عليها دوليا.
فالأمر يتطلب إذن أن تكون النظرة السياسية الإقتصادية والإجتماعية للحكومة نظرة تحكمها الأزمة الضاغطة و السعي نحو الحلول الجاهزة والسريعة بل العمل على تكوين رؤية وطنية شاملة تشهد مقوماتها من دستور المملكة الجديد الذي صوت عليه المغاربة لترقيتهم و ليس لتفقيرهم و تصميم محكم لبلوغ هذه الرؤية على أساس احترام التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان و أن يكون الهدف هو تمكين الناس من التمتع بحقوقهم.
ومن هذا المنظور نرى أنه من واجب الحكومة إعادة النظر في السياسات الظرفية المتداولة حتى الآن و ضرورة إعادة الإعتبار لمفهوم الدولة العادلة اجتماعيا، الناظمة لعلاقات المجتمع و الموازنة لقواه و ردع الهوة بين مختلف فئاته و جهاته.
إقتراحات وتوصيات :
وعليه ,فعلى القائمين على تدبير وتسيير الشأن العام الوطني , تحمل مسؤوليتهم وبدل الجهود من أجل تحقيق الأهداف بشكل تدريجي , من أجل إعادة التوازن وثقة المواطن في هذا القطاع الإجتماعي الأكثر مطلبا وذلك بإقتراح عدة توصيات:
- وضع استراتيجية خاصة في توزيع عادل للأطباء حسب اختصاصاتهم والممرضين والممرضات والمولدات الأكفاء على الصعيد الوطني بما في ذلك المدن والقرى .
- إقتناء وتجديد التجهيزات الحديثة و الكافية للقطاع وإتلاف المتقادمة والمتآكلة والرفع من الميزانيات المالية المرصودة .
- توسيع الطاقة الاستيعابية للمستشفيات العمومية مع العمل على التوزيع الجغرافي العادل للمؤسسات الصحية، في مختلف التراب الوطني.
- تكوين لجان مراقبة جهوية للإطلاع على سيرالنظام الصحي في جميع القطاعات بما فيها المستشفيات العمومية
و مصحات الضمان الإجتماعي و المصحات الخصوصية،طبقا للبرنامج المحدد من طرف وزارة الصحة.
- تدارك النقص الحاصل في عدد المصحات في بعض جهات المملكة خاصة المناطق النائية.
- تعميم التغطية الصحية (RAMED ,AMO ) من أجل الوقاية الإجتماعية للطبقات الفقيرة والمعوزة.
وختاما فإن حـــزب الحرية والعدالة الإجتماعية , يدعــــوا الحكومة لمراجعة السياسة الصحية والاجتماعية الحالية، وإرساء أسس منظومة صحية متكاملة ومندمجة وشاملة يكون القطاع العام عمودها الفقري،وتنبني وجوبا على مبادئ المساواة و العدالة الاجتماعية والإنصاف والتكافل والتضامن والكفاءة والجودة في تقديم الخدمات الصحية. وتحسين وتعزيز الخدمات الاجتماعية الصحية والتحديات الصحية المتصلة ،من محاربة الفوارق الاجتماعية،وتوفير غداء كافي وماء صالح للشرب،وبيئة سليمة وسكن لائق. ومراجعة جذرية للقوانين والتشريعات المتعلقة بالصحة وملاءمتها مع التشريعات،والقوانين الدولية في مجال الاستشفاء والوقاية وحماية حقوق المرضى والتكوين والتعليم الطبي والتمريضي والمزاولة القانونية لهما. وتكتيف المحاسبة والمراقبة والعقاب لكل من يخالف القوانين والأنظمة الصحية والبيئية والمهنية الطبية والتمريضية،وفي مجال إنتاج وتقديم الخدمات الصحية والأدوية،والوقوف ضد كل المتاجرين بصحة الإنسان.