مذكرات الحزب

موقف حزب الحرية والعدالة الاجتماعية من التنمية البشرية ومشاريعها (الإيجابيات و السلبيات)

منذ 18 ماي 2005  تاريخ الإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وواقع الحال أي شروط التفعيل والواقع و المتابعة لهذا الحدث الوطني خاصة على الفئات المستهدفة التي تعاني الفقر و التهميش و الهشاشة يظل الهدف الاستراتيجي المطلوب التخفيف  من مؤشراته المقلقة إلا أن عمق الإشكال المركزي الذي لا يزال عصي الفهم في التعامل مع المبادرة و بعد فترة التجريب الزمني يرتبط أكثر براهنية الاستيعاب لمرامي المبادرة و التي تشكل في كليتها « فلسفة جديدة » في تدبير الشأن العام و بالتالي تعاطي الفلسفة بالأسلوب الأنسب لأجرأتها كالمقاربة التشاركية و المقاربة المندمجة و مقاربة النوع أيضا والتأسيس لمفهوم ثقافة التنمية المتضامنة التي تجعل من أولى مقوماتها شأنا اجتماعيا و تشاركيا بامتياز.الشيئ الذي يتوافق مع الميثاق المذهبي لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية.

أكثر من ذلك فإن موضوع التنمية البشرية كمصطلح مرجعي للمبادرة في ظل التحولات العالمية المعاصرة ومن خلال أدبيات الأمم المتحدة و بالأخص صندوق النقد الدولي يظل السقف المرجعي الذي يراهن عليها الجميع لرفع التحديات خصوصا في ظل السياقات العولمية الحديثة.

كان مفهوم التنمية البشرية إلى حدود 1990 قاصرا على ما يحصل عليه الإنسان أو الفرد من خدمات مادية لكن بعد ذلك سيصبح مفهوم التنمية البشرية ينظر إلى الإنسان كمنتج للتنمية و هدفا لها حيث يقوم هذا المفهوم على ان البشر هم الثروة الحقيقية التي تبقى في النهاية عملية توسيع اختياراته.

وقد تطور المفهوم من مفهوم التنمية المستدامة كما أصبح للبعدين الإيكولوجي و الثقافي الشأن الأقصى في هذا المجال إضافة إلى شرط الديمقراطية و حقوق الانسان.

إذن فمهوم التنمية البشرية مفهوم بنيوي متكامل إذا اختل أي مكون اختلت معه مختلف الأبنية على مستوى التوازنات.

إن الخاصية المركزية لمفهوم التنمية البشرية ترتبط في مستواها النظري بالإسهامات العلمية لمجموعة من الباحثين و المفكرين من أمثال مارتياسين.

والمغرب ليس بجزيرة مفصولة عن العالم حيث قام بترحيل مجموعة من القيم الثقافية و المعرفية كالديمقراطية ، حقوق الانسان، الحداثة ، الحكامة الجيدة و التنمية البشرية التي تصدرت اهتمامات كل الفاعلين و ذلك للحيلولة دون تفاقم الوضع و الرفع من معدلات النمو و المؤشرات المقلقة التي أدت بالمغرب إلى احتلال المراتب الدنيا على الصعيد العالمي و الافريقي  نتيجة:

ثقل المعضلة الاجتماعية.

– العجز الاجتماعي.

1- ثقل المعضلة الاجتماعية :

يعرف المغرب مند عقود حالة تأخر شملت مجموع من الميادين الاجتماعية و لاقتصادية و التنموية و لقد أشار تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2004 إلى هذا الوضع من خلال تصنيف المغرب ضمن 20 دولة عربية في المرتبة 15 على مستوى دليل التنمية البشرية كما أن تقرير 2005 للتنمية البشرية وضع المغرب في الرتبة 124 من ضمن 177 دولة على المستوى العالمي الأمر الذي يثير الكثير من المخاوف حول مستقبل المغرب ومدى قدرته على مواكبته « الإزدهار الإنساني » الذي تعيشه الدول المتقدمة.

إن حزب الحرية والعدالة الاجتماعية يرى أن هذا التصنيف يشكل خطورة على الوضع الاجتماعي بالمغرب و الذي لا يبشر بالكثير من التفاؤل على المستوى المستقبلي خصوصا و أن البنية البشرية غير مؤهلة للرفع من مؤشرات التنمية البشرية، فضعف المردودية الفردية إذا ما استمرت على هذا المنوال سيبقى المغرب على المستويين المتوسط و البعيد ضمن الدول المتأخرة.

2-العجز الاجتماعي:

يعاني المغرب من تأخر على مستوى مؤشرات التنمية البشرية حيث يشمل العجز الاجتماعي المجالات التالية: مستوى المعرفة تصل بنسبة 47.7 وتجتاح بالخصوص العالم القروي بنسبة ناقص  60 في المائة .

 وتمس بصف خاصة النساء بنسبة  55 في المائة.

 أما بالنسبة لمعدل معرفة القراءة و الكتابة بين البالغين فإنه لم يتجاوز 50.7 وقد جاءت جل هذه المعطيات وفق تقرير الخمسينية (50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وأفاق سنة 2020 التقرير العام).

ومن حيث تصنيف جامعاتنا فقد صنفت في المراتب الدنيا على الصعيد العالمي حسب تصنيف فريق عمل أمريكي بشكل دوري و ينشر على شبكة الانترنيت.

بالإضافة إلى هذا فإن نسبة المساهمة في النشاط الاقتصادي لازالت ضعيفة و هذا يظهر جليا كون نسب معدل النشاط يشير إلى كون حوالي  40 في المائة من السكان الحضريين و 46 في المائة من السكان القرويين يعيشون على حساب الآخرين عن طريق الإعالة الأسرية أو التضامن مثلا.        و لخطورة الوضع الناتج عن السياسات الماكرو اقتصادية المتعاقبة على المغرب من قبل السياسات العمومية، جاء الإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية برهانا على هذا الاهتمام خصوصا وأنها جاءت في إطار خطاب ملكي مرجعي ألقي بدون مناسبة وطنية أو دينية بل كانت المناسبة هي الوقوف على المعضلة الاجتماعية التي تفرض تضافر الجهود بقصد الرقي بمؤشرات التنمية البشرية بالمغرب و تفادي الوقوع في الانعكاسات السلبية التي تنتج عنها .

برنامج المبادرة

وضعت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كأفق استراتيجي لها العمل في ثلاث واجهات أساسية وهي

1- محاربة الفقر و الأمية خاصة في المجال القروي.

2– محاربة الاقصاء الاجتماعي و الاقتصادي في المجال الحضري وذلك بهدف تحسين ظروف حياة السكان و ضمان إدماجهم في الحياة العملية و تحقيق التلاحم الاجتماعي.

3– محاربة الهشاشة و التهميش، بواسطة العناية بالأشخاص في وضعية حرجة كالأطفال المتخلى عنهم ، اطفال الشوارع، النساء ضحايا العنف و الاستغلال، والأشخاص في وضعية هشاشة قصوى كالعجزة، المتسولون ، المعاقين المختلون عقليا، سجناء سابقون، اسر المختفون أو بدون جنسية و ضحايا التعسف و الكوارث الطبيعية و التدهور البيئي.

هذه البرامج الثلاث يمكن إدماجها فيما يمكن الاصطلاح على تسميته بالبرنامج العمودي للمبادرة   و هو برنامج كما يدل على ذلك محتواه يتكامل في عناصر تدخلاته سواء بالنسبة للوسط القروي أو المجال الحضري، وأيضا في تبنيه لمقاربة التدخل الذي يروم في نفس الوقت إعطاء العناية الخاصة للفئات التي تعاني من الهشاشة القصوى والتهميش، إلى جانب هذا البرنامج العمودي أوجدت المبادرة برنامجا افقيا يروم بالأساس إيجاد صيغة للتدخل المتعدد الأوجه ليس فقط بالنسبة للبرامج الثلاثة السابقة بل باعتماد المقاربة الوطنية الشاملة إذ أنه سيهم مجموع التراب الوطني، وسيشكل قناة الربط و التوجيه و التأطير و المواكبة للبرنامج العمودي.

و تتمثل الأبعاد العامة للبرنامج الأفقي للمبادرة في ثلاث أبعاد أساسية تتمثل في :

1-محاربة عوامل و مظاهر الخطر الاجتماعي.

2- خلق ديناميكية متجددة للتنمية البشرية.

3-  تقوية الرصيد الاجتماعي.

و بالإمكان تجميع مختلف أهداف البرنامج الأفقي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في العناصر الأربعة التالية:

1- دعم المشاريع و العمليات الأفقية كالأنشطة المدرة للدخل،دعم جمعيات القروض الصغرى.

2- تحسين ظروف الولوج إلى الخدمات و البنيات الأساسية(التعليم،الصحة،الطرق،الماء، الكهرباء)

3- دعم عملية التنشيط الاجتماعي،دعم التظاهرات الثقافية و الفنية، دعم مزاولة الرياضة.

4-دعم الكفاءات المحلية و التكوين و الخبرة،إحداث مرصد للتنمية البشرية، الخبرة وتعميم التجربة،نظام للمعلومات و الاتصال.

وإذا كانت الأهداف الأولية الثلاثة للبرنامج الأفقي للمبادرة لا تطرح أي إشكال على المستوى المفاهيمي فإن اعتماد مصطلح الحكامة يفرض من جانبه ضرورة استجماع العناصر الدالة على هذا المفهوم الذي يعتبر نهجا استراتيجيا لتنفيذ المبادرة، فالحكامة كاصطلاح تم استعماله بالمجتمع الانجليزي خلال القرون الوسطى لوصف عملية التعاون بين مختلف السلطات السياسية و الاجتماعية(الملكية،الكنيسة، النبلاء، التجار و الفلاحون) ولقد أعيد استعمال المفهوم على المستوى الرسمي خلال بداية التسعينات من طرف المؤسسات المالية الدولية كضرورة فرضتها الصيرورة التنموية و السياسية.

وقد عرف البنك العالمي الحكامة بإنهاء الحالة التي من خلالها يتم إدارة الموارد الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمع بهدف التنمية و السياسة.

و الحكامة تتكون من الآليات و العمليات و المؤسسات التي من خلالها يستطيع أن يشكل المجتمع مصالحه و يمارس حقوقه القانونية، ويؤدي واجباته و يناقش خلافاته.

و لقد تم تطوير مفهوم الحكامة إلى مفهوم الحكامة الجيدة أو الحكامة الرشيدة،للتعبير عن أهمية الانتقال بفكرة الادارة الحكومية و الحكامة من الحالة التقليدية إلى الحالة الأكثر تفاعلا وتكاملا بين الأركان و العناصر الرئيسية المشكلة و التي تتكون بشكل أساسي من :

  • الإدارة الحكومية للقطاع العام.
  • إدارة القطاع الخاص بفعالياته المختلفة.
  • إدارة المجتمع المدني العديدة في المجتمع (القطاع السوسيوثالث)

و هناك جملة من العناصر و المقومات المكونة للحكامة الجيدة و هي تشمل :

التشارك-سلطة القانون –المشاركة –الشفافية – الاستجابة – الاجماع – العدالة – الفعالية و الكفاية المساءلة –الرؤية الاستراتيجية.

وقد توجه المغرب في السنوات الاخيرة صوب الحكامة و اتخاذها كأفق استراتيجي لبناء سياسته العمومية و المؤسسات المشكلة للدولة و هذا ما جعل الدستور الجديد يفرد لها مجموعة من النصوص و في مقدمتها الفصل 157 الذي يقر على ضرورة الحكامة الجيدة في تدبيرالمؤسسات.

وإذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قد حققت العديد من الانجازات سواء بالنسبة للمشاريع المدرة للدخل أو بناء و إعادة تهيئة العديد من الفضاءات المتعددة الاختصاص في قطاعات السوسيومجالية  المختلفة.

 فإن حزب الحرية والعدالة الاجتماعية يقترح:

– السير قدما وفق المبادئ المرجعية لفلسفة المبادرة حيث يجب مراعاة مبدأ الانتقائية بين مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمشاريع المنجزة من طرف باقي القطاعات وذلك حتى يكون هناك تناغم و انسجام بين سلسلة المشاريع المنجزة.

– يجب أن تعبر هذه المشاريع عن حاجات قاطنة الأحياء المستهدفة و ذلك انطلاقا من منوغرافية و التشخيص التشاركي الذي تقوم به فرق تنشيط الأحياء.

– يجب أن لا تستغل تجهيزات المبادرة و إمكانياتها اللوجستيكية  من طرف جهات لا علاقة لها بالمبادرة .

و بما أن تمويل مشاريع المبادرة الوطنية التي تستفيد منها الجمعيات تصرف من المال العام فيجب أن تخضع لمراقبة الفصل 148 والفصل 149 من الدستور.

– أجهزة الحكامة يجب أن تقوم بدورها الكامل لتدبير هذا الورش الوطني الكبير بكل شفافية للحيلولة دون وقوع حالات التنافي التي سجلت في العديد من المشاريع كما يجب الحرص على أن تكون المشاريع المقدمة من طرف الجمعيات تتماشى و أهدافها و مبادئها القانونية.

و لتطوير المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و توسيع آفاقها فيجب العمل على إعادة تكوين كل الكفاءات المشتغلة في هذا الورش وذلك حتى تحقق الأهداف المرجو منها و تكون بالتالي رافعة للإقتصاد الوطني و رفع هذا التحدي الذي يراهن عليه المغرب خصوصا في  وقتنا الراهن.

– تأهيل ودعم التعاونيات المكونة بناء على القانون 1.66 بتاريخ 10 شتنبر 1993, وبالتالي العمل على تشجيعها لتثمين المنتوج المحلي لتنمية الإقتصاد الإجتماعي والتضامني في إطارالمبادرة الوطنية.

– تطوير مساطر اشتغال المبادرة ,وتأهيل القدرات التواصلية للكفاءات المشرفة على تنفيذها (موظفي الأقسام الإجتماعية ) .

– إعادة النظر في مساطر برنامج الإقصاء الاجتماعي.